مصطفى لبيب عبد الغني

135

منهج البحث الطبي ( دراسة في الفلسفة العلم )

تكون صحيحة » « 1 » . وردا على من يرفض ما يجهله فيسارع إلى إنكار وجوده يقول : « ليس البرهان على إخبارنا أنه كذا وكذا بأوجب منه على إخبارنا أنه لم يكن كذا وكذا ، وإذا لم يكن في هذا الأمر إلّا هذه الواحدة لوجب التوقف والتثبت من دفع ما لا يوجب على دفعه برهان وتركه موقوفا إلى أن يصح ببرهان » « 2 » . إن كل قضية تحتمل التصديق والتكذيب لا يصح الأخذ بها إلا مع الدليل القاطع . وهو ما دفع الرازي إلى أن يحمل على بعض خصومه من حيث « إنهم يدفعون دفعا جميع ما لا يقدرون على تعرف علله وأسبابه . . . ثم يقولون في ذلك أقاويل لا تنحو نحو الإقناع فضلا عن البرهان ، بل إن قلنا الحق ، فأقاويل هرف وهذيان وتخاييل وظنون » « 3 » ؛ فالدليل أيضا على من ينكر وليس فقط على من يقرر ، وليس لأحد أن يدفع ويمنع وجود ما لم يشاهد مثله ، بل ينبغي عليه أن يتوقف حتى يشهد البرهان بوجوده أو عدمه ، فيما تعلمناه من عبقري المنهج « جابر بن حيان » « 4 » . وتلك حدود المنهج العلمي كما يصورها الرازي أدق تصوير . ومن الواضح هنا أن نظرية الوجود لا تقوم علي نظرية المعرفة وإنما العكس هو الصحيح ؛ فالوجود في رحابته - يستثير العقل دوما لكي يفضّ أسرارا لا تنفد مستعينا بوسائله المتجددة أبدا وما مناهج البحث المنوّعة إلا ضروب من النظر إلى الأشياء بغية فهمها والتكيّف المستمر معها . * * *

--> ( 1 ) الرازي : « كتاب خواص الأشياء » ورقة 119 - 120 . ( 2 ) المصدر السابق : الموضع السابق . ( 3 ) المصدر السابق ، ورقة 119 . وقارن ما يقوله الغزالي في هذا المعنى : « وليس كل ما لا يدركه العقل حالا في نفسه . . وفرق بين البعيد والمحال ؛ فإن البعيد هو ليس بمألوف والمحال ما لا يتصور كونه » ( « المضنون به على غير أهله » ص 318 ) ، وما يقوله أيضا : « من لا يفرق بين ما أحاله العقل وما لا يناله العقل فهو أخس من أن يخاطب فليترك وجهله » ( « القصد الأسنى » ص 151 ) . ( 4 ) راجع في ذلك بشيئ من التفصيل ما أوردناه من ص 65 - 73 في كتابنا : « في التصور الإسلامي للطبيعة - الطبيعة بين الضرورة والاحتمال عند جابر بن حيان » دار الثقافة للنشر والتوزيع ، القاهرة 1990 .